منذ ربع قرن.. جلالة الملك يقود سياسة إفريقية متماسكة وتضامنية

0

قال الحسن الناصري، سفير صاحب الجلالة في السنغال، أمس الثلاثاء، إن جلالة الملك محمد السادس، يقود، منذ ربع قرن، سياسة إفريقية متماسكة راسخة، وتضامنية، وأبرز الناصري، خلال حفل تقديم كتاب “المغرب الافريقي : مسارات طموح قاري” للأستاذ الباحث السنغالي، باكاري سامبي، المدير الإقليمي ل”معهد تومبوكتو” للتفكير، الذي نظم بمقر إقامة السفير بحضور العديد من الشخصيات من عالم السياسة والثقافة، وكذا دبلوماسيين ، أن الطابع الافريقي للمملكة، وكذا تمسكها بتنمية القارة، يشكل مصدرا للتحفيز اليومي ضمن العمل الإفريقي المشترك.

وذكر الناصري، بأن جلالة الملك أعلن في خطابه السامي بمناسبة الذكرى 48 للمسيرة الخضراء، عن مبادرته الدولية للأطلسي-الإفريقي، التي تمثل تجسيدا للرغبة الملكية في تحويل الواجهة الأطلسية إلى واجهة كبرى للتلاقي الإنساني، وقطبا للتكامل الاقتصادي، ومركزا للإشعاع القاري والدولي.

وأضاف أن “هذه المبادرة الملكية الشاملة، ذات البعد الإقليمي والدولي، تهدف إلى تعزيز ولوج بلدان الساحل الشقيقة إلى المحيط الأطلسي”، موضحا أن جلالة الملك قرر، في هذا الصدد، وضع البنيات التحتية للنقل واللوجستيك المينائية للمملكة رهن إشارة البلدان الإفريقية من أجل المساعدة على فك العزلة عن البلدان غير المطلة على البحر ، على وجه الخصوص.

وشدد على أن هدف المغرب يظل دائما هو توحيد الجهود مع الأشقاء الأفارقة على أساس أعمال ملموسة، وتضامن فعال ومؤسس، يعود بالنفع على الجميع لخدمة هدف مشترك، وهو التكامل الإفريقي، وتجسيد أجندة الاتحاد الإفريقي، والآباء المؤسسين وكذا خدمة أهداف التنمية المستدامة، من خلال إحداث وتقاسم سلاسل القيمة.

وأشار في هذا الإطار، إلى الخطاب الذي ألقاه جلالة الملك خلال القمة ال28 للاتحاد الإفريقي (يوم 31 يناير 2017)، حيث قال جلالته “ولمن يدعي أن المغرب يبتغي الحصول على الريادة الإفريقية، عن طريق هذه المبادرات، أقول : إن المملكة المغربية تسعى أن تكون الريادة للقارة الإفريقية”.

ولدى تطرقه، من جهة أخرى، لعلاقات المملكة مع البلدان المجاورة ، أشار السيد الناصري إلى أن المغرب ينظر دوما إلى الجوار بنظرة ذات أفق بناء، ويعتبر أن السلام والاستقرار في بلد لن يتحقق دون السلام والاستقرار في البلد الآخر.

وذكر الناصري أن جلالة الملك، أشار إلى ذلك في مرات عديدة من خلال مد اليد إلى الجارة، الجزائر بهدف تذليل الصعوبات التي يعرفها الجميع.

وأضاف أن استراتيجيات التنمية في المغرب سواء داخليا أو دوليا تمت بلورتها في المقام الأول من أجل تلبية تطلعات المغاربة وليس استجابة لاحتياجات أي تنافس جيوسياسي. وقال “على العكس، هذا ليس من عقيدتنا ولا ثقافتنا ولا قيمنا”.

وأكد أن المغرب، في علاقاته مع الشركاء في إفريقيا وخارجها، يطبق مبدأ رابح-رابح، مستشهدا في هذا الصدد بالخطاب الذي ألقاه صاحب الجلالة بمناسبة الذكرى ال63 لثورة الملك والشعب (غشت 2016) ، والذي قال فيه جلالته “وإذا كان من الطبيعي أن يستفيد المغرب من التعاون مع أشقائه في إفريقيا، فإنه يحرص دائما أن تكون المنفعة مشتركة”.

وفي معرض تطرقه لمستقبل العلاقات مع إفريقيا في ضوء التغيرات السوسيو-سياسية والاقتصادية والانفتاح على العالم، أكد السيد الناصري أنه “من الواضح أن منطق الشراكة الذي ننخرط فيه والمنبني على القيم المشتركة واحتياجات التكامل الأفريقي وتعزيز العلاقات جنوب-جنوب، يشكل ضمانة لمستقبل واعد”.

وبعد أن شدد على أنه ينبغي على جميع المستويات المؤسساتية والمجتمع المدني نقل القيم المشتركة وخلق تآزر بين الفاعلين الثقافيين والدينيين والاقتصاديين ، أوضح أن “المنافسة لا ينبغي أن تشكل مصدر إحباط بل ينبغي أن تتحول إلى فرصة لتأهيل وتحسين جودة عرضنا”.

وأبرز في هذا الصدد، أن المغرب عاش تجربتين، على الأقل، تعرض خلالهما لمنافسة شرسة: التوقيع على اتفاقيات التبادل الحر مع نحو خمسين دولة، ضمنها الاتحاد الأوروبي، ثم اعتماد السماء المفتوحة للنقل الجوي بين المغرب والاتحاد الأوروبي.

وقال إن الاقتصاد المغربي لم يظهر فقط، في كلتا الحالتين، مرونة واضحة، بل أيضا قدرة تنافسية مقدرة، مشيرا إلى أن المغرب يمثل في إفريقيا قوة إقليمية لا يمكن إنكارها، وهي نتاج الرؤية الملكية .

وذكر في هذا الصدد، بأن المغرب يحتل، في جميع التصنيفات بافريقيا، مكانة بارزة : الناتج الداخلي الخام، البنيات التحتية، القدرة التنافسية، الحكامة، الديمقراطية، الجيش والأمن، الثقافة، الجاذبية، ممارسة الأعمال، الاستثمارات، السياحة .. إلخ.

من جهة أخرى، أبرز الناصري “الطابع المتعدد الأوجه” للعلاقات المغربية السنغالية، مشيرا إلى أن “هذا الأساس تم بناؤه منذ زمن بعيد” ، وذلك بفضل “العلاقات الإنسانية والتبادل الثقافي التي أدت إلى بروز تراث مشترك غني ومتنوع لفائدة التلاقح والإنتاج المشترك للمعرفة الدينية وغيرها، مثل آلاف المخطوطات الموروثة من التاريخ”.

من جانبه، ذكر باكاري سامبي، الأستاذ والباحث في مركز دراسة الأديان بجامعة غاستون بيرغر في سان لويس، والحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة لوميير ليون 2، بدوافع إصدار هذا الكتاب، الذي جاءت فكرته بفضل الرحلات التي قام بها إلى المملكة المغربية والأبحاث التي أجراها حول العلاقات العربية الإفريقية، فضلا عن الدروس المستفادة من الزيارتين الرسميتين لجلالة الملك إلى داكار سنة 2016 وأديس أبابا سنة 2017، وهي الزيارة التي تميزت بعودة المملكة المغربية إلى أسرتها الإفريقية.

وسلم سامبي، خلال هذا الحفل، للسفير المغربي نسخة من مؤلفه الذي كتب فيه اهداء لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ” لمبادراته لفائدة إفريقيا، ولكل ما قام به جلالته من أجل القارة، ولريادته في استدامة الإرث الذي نتقاسمه”.

ويقدم هذا المؤلف، الذي يضم أربعة فصول في 159 صفحة، تحليلا متعمقا لتاريخ العلاقات القائمة بين المملكة المغربية ودول افريقيا جنوب الصحراء.

كما يتناول الأستاذ سامبي، الذي أصدر العديد من الكتب والدراسات، من بينها “الإسلام والدبلوماسية، السياسة الإفريقية للمغرب” في مؤلفه “الاستراتيجيات المتعاقبة التي تستدعى، من خلالها باستمرار، علاقات المغرب الحالية مع باقي القارة، من جهة، والموارد التاريخية الرمزية، من جهة أخرى، والدين كقوة دافعة وشرعية”.

كما يتطرق الباحث السنغالي، في هذا الكتاب، إلى علاقة المغرب مع إفريقيا في أبعادها المتعددة مع نظرة عميقة حول ما يشكل أساس علاقاتنا، أي العلاقة الإنسانية والروحية والثقافية التي تتجاوز الزمن والحدود، مؤكدا أن المملكة الشريفة هي البلد الواقع في شمال إفريقيا الذي يكتسب بعده الإفريقي في سياساته الداخلية وعلى الساحة المزدوجة الإفريقية والدولية.

وفي استحضاره للجوانب الإنسانية والتاريخية والثقافية وغيرها، أشار إلى النزاع حول الوحدة الترابية للمغرب الذي اعتبره مصطنعا ولا ينسجم مع الواقع ، وهو ما يؤكده فتح ثلاثين قنصلية في الأقاليم الجنوبية.

وأوضح المؤلف، انطلاقا من حقائق تاريخية، أنه لا يمكن تفسير إقامة واستمرار العلاقات بين المغرب وإفريقيا من خلال النماذج الاقتصادية أو الجيوسياسية أو المصالح الاستراتيجية وحدها، قبل التأكيد على أهمية العامل الثقافي والديني في هذا المسلسل الأفريقي الراسخ للمملكة.

ويرى المؤلف أن ” دبلوماسية المغرب المتسمة دوما بالواقعية ، استطاعت، خلال فترات مهمة من علاقاته مع افريقيا، أن تجعل من كل موارده مجتمعة رافعة مؤثرة “.

وتركز أبحاث الأستاذ سامبي، الذي سبق له أن أسس مرصد التطرف والصراعات الدينية في أفريقيا، أساسا على الشبكات العابرة للحدود الوطنية، والإسلام في العلاقات العربية الإفريقية، بالإضافة إلى التطرف في منطقة الساحل.

يذكر أن سامبي، الخبير لدى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، شارك في إحداث الخلية الإقليمية لمكافحة التطرف التابعة لمجموعة دول الساحل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.